لغاية 2010/09/08 من 2010/01/01 زائراً866876
الصفحة الرئيسية الفوائد والعمولات أسعار الصرف كشف حساب استفساراتكم ومقترحاتكم
حوالات خارجية واردة فورية الدفع              تمويل المشاريع على الأمد المتوسط والطويل              يحضر موظفونا لكبار المتعاملين .. وللجميع : في حالات الطوارئ              خفضنا عمولة تحويل المبالغ المستلمة نقداً من السوري اللبناني              صرافاتنا تستقبل بطاقات فيزا العالمية               دعماً للصناعة الوطنية ... تمويل سيارة " شام " بشروط ميسرة              لسلامة الوثائق ، المستندات والمجوهرات .. خدمة الصناديق الحديدية              البطاقة الائتمانية الأولى في سورية : خمسين فوق الراتب .. بتسند عن جد              هل ترغب السحب من حسابك المفتوح لدينا بالعملة الأجنبية من خارج محافظتك ؟؟ اطلب ذلك الآن              للاستفسار عن الأمور المتعلقة بالبطاقات الإلكترونية يرجى التفضل بالاتصال على الرقم : 2230277 أو مراجعة الفرع مصدر البطاقة .              نفدت نقودك فجأة ؟ لا تقلق .. توجه إلى أقرب صراف آلي              استعمل تسهيلاتك خلال العام لكيلا تنخفض تدريجيا              يمكنك طلب السحب والإيداع والتحويل من أي فرع من فروع المصرف وفي أي محافظة              مسافر ؟؟ حوّل مستحقاتك من القطع الأجنبي لبطاقة فيزا العالمية              عبر صرافاتنا الآلية .. بإمكانك دفع أقساط قرضك الممنوح من العقاري              سدد فاتورة هاتفك الثابت عبر صرافاتنا الآلية              دراسة تحليلية للأزمة المالية العالمية للدكتور دريد درغام / الجزء 1 /              دراسة تحليلية للأزمة المالية العالمية للدكتور دريد درغام / الجزء 2 /              يمكنكم الدخول إلى موقعنا من خلال العنواين التالية:www.cbs-bank.sy-www.cbs-bank.com.sy-www.cbs-bank.org-www.cbs-bank.info              يمكنك اللاطلاع على كشف حساب بطاقتك الالكترونية من خلال الموقع : www.cbs-cards.com              قرار رقم (6) نظام مراقبة العمليات المصرفية والمالية المتعلق بغسل الأموال وتمويل الارهاب              إغلاق حساب متعامل من قبل وكيله              يعاود المصرف تقديم خدمات قروض السيارات لزبائنه الكرام ...              
إعلاناتنا  
مراسلونا في البلاد العربية  
البطاقات المصرفية  
تسهيلاتنا  
عن المصرف  
فروع المصرف  
التقرير السنوي  
حساباتنا  
خدماتنا المصرفية  
مواقع الصرافات  
قرارات  
قوانين وتشريعات  
المصرف .. بأقلامهم  
إعلانات المصرف  
مواقع ذات صلة  
الشراء العملة
46.60دولار أمريكي
59.78يورو
44.72دولار كندي
71.89جنيه استرليني
46.08فرنك سويسري
7.93كورون دانماركي
6.33كورون سويدي
 ... المزيد
   

أعلـن معنـا

www.sadasoria.com

 

دراسة تحليلية للأزمة المالية العالمية للدكتور دريد درغام / الجزء 1 /

 عندما ينقلب السحر على الساحر! 

قراءة في الأزمة المالية العالمية

وأثرها على آفاق التنمية الاقتصادية في سورية

مقدمة

تأتي الأزمة المالية التي تلف العالم منذ أكثر من عام لتؤكد ضرورة تحضير السيناريوهات المناسبة والبديلة لإيجاد مناخ مناسب ليس فقط لمقاومة الأزمة وإنما لرسم مستقبل أكثر قدرة على استقراء الأزمات والتعامل معها مسبقاً بدلاً من التعامل مع نتائجها بمنطق إدارة الأزمات، وكذلك مناخ قادر على الاعتراف بالإمكانات الموجودة دون تضخيم وتوظيفها من أجل استثمار القدرات الكامنة تحضيراً لمستقبل أفضل.

هل بمقدورنا توظيف أجواء الأزمات الخارجية لإيجاد فرص مناسبة لم يكن بالإمكان في الظروف الطبيعية التفكير بها؟ وهل يمكن الاستفادة من الأجواء الحالية لشرح وجهة نظر لم تسمح الظروف السابقة بمناقشتها مع الآخرين؟ وأخيراً هل الإرهاب المالي والنقدي والاقتصادي أقل قساوة من صنوف الإرهاب الأخرى؟

جواباً على هذه التساؤلات، نحاول في هذا المقال رسم ملامح الوضع الحالي على المستوى العالمي والمحلي، ومن ثم نحاول طرح بعض الأفكار حول نتائج هذه الأزمة لنصل أخيراً إلى آفاق نأمل من خلالها أن نحرض على نقل المناقشات في السياسات الاقتصادية والمالية إلى آفاق أرحب وأوسع من التساؤلات التقليدية والجامدة حول تأثرنا الآن من عدمه وغيرها من المماحكات التي تفتقد إلى الديناميكية اللازمة للإجابة والاستفادة من هذا النوع من الظروف.

ملامح الوضع العالمي

هل هي أزمة سيولة أم تفاقم جشع المتعاملين؟ أزمة مالية ستتحول إلى أزمة اقتصادية وإنتاجية

بداية، لا بد من التأكيد على أن الأزمة الحالية تتميز ولأول مرة في التاريخ بعالميتها. رغم كون أزمة الكساد الكبير عام 1929 هي الأشنع في التاريخ إلا أنها اقتصرت بمساوئها ونتائجها المدمرة على الدول المتقدمة بشكل أساسي، وبقيت الدول النامية شبه معزولة عن الهزات العنيفة لتلك الأزمة. فمعظم تلك الدول كان من الدول الزراعية التي تعتمد على الاكتفاء الذاتي من محاصيلها. أما الدول النامية التي تأثرت فكانت تلك المعتمدة على التجارة أو تلك المعتمدة على تصدير المواد الخام والأولية. من جهة أخرى تميزت فترة الكساد الكبير وغيرها من الأزمات الاقتصادية السابقة بكونها أزمة إنتاج أو كساد وغيرها من المشاكل المتعلقة بالاقتصاد الحقيقي وانعكساسات الأزمة على تقييم أسهم الشركات المعنية والسندات المالية الممولة للاقتصاد. هذه المرة نجد ولأول مرة أن الأزمة مصرفية محضة بالدرجة الأولى، ولكن أبعادها هائلة بحيث أنها ستؤدي إلى فقدان الثقة بالبنية المصرفية والمالية عموماً وانتقال العدوى إلى البنى الاقتصادية، فضلاً عن كون المعالجة ستتم بالتأكيد وبشكل مباشر على المستوى الدولي نظراً لما تسببت به العولمة المالية من تداخلات هائلة للمصالح المالية والمصرفية وغيرها من التقاطعات في التوظيفات المصرفية بين الدول والشركات العالمية.

قيل مرات في السيولة الهائلة المتولدة من تزايد أسعار النفط ومن النمو الكثيف في بعض المناطق مثل الصين وغيرها وقيل عن صعوبة استيعابها. وقيل عن ضرورة تحرير الاقتصاد وعن أهمية تحرير الأسواق وعن ضرورة فصل السلطة النقدية عن الحكومية وعن قدرة الأسواق على ضبط ذاتها.

فجأة أصبحنا نسمع أن الأسواق العالمية تعاني من نقص السيولة مما يستدعي خطة إنقاذ من قبل المصارف المركزية لضخ مئات المليارات من الدولارات ويحكى كثيراً عن أهمية تدخل الحكومات وإلا فستكون العواقب وخيمة!

نتساءل هل جفت السيولة أم يتم كنزها مرحلياً أم تبخر جزء منها أم ماذا؟

الجواب ليس بالبساطة  التي يتخيلها البعض. فكلنا يعلم أن الموارد التي اشتريت بها العقارات المرتفعة والأوراق المالية المتزايدة جاء معظمها من المصارف التي قامت بالإقراض بضمانة تلك العقارات أو بضمانة أوراق اعتبرت سيادية؟ وكلنا يعلم أن الجزء الأكبر من تلك السيولة جاء من الفوائض الهائلة الناجمة عن:

1.    فوائض الدول ذات الميزان التجاري الفائض مثل الصين واليابان وروسيا...

2.    فوائض الدول النفطية التي حصدت الكثير من زيادة أسعار النفط فاستثمرت جزءاً في بلدانها وتوجه الجزء الأكبر إلى مصارف الاستثمار (المصنفة من الدرجة الأولى)

3.    الاقتراض عند اللزوم بفائدة منخفضة من المصرف المركزي في ظل تواجد توظيفات هائلة في ما اعتبر صناديق سيادية مستقرة بعملة اعتبرت مستقرة بالنسبة لغيرها.

لماذا يقال حالياً أن معظم السيولة قد تبخر؟

لاحظ الجميع انتشار ظاهرة تهافت المصارف على الإقراض المبالغ به وخاصة الإقراض المشكوك بإمكانية تسديده سلفاً (مقابل فوائد أكثر ارتفاعاً). وكانت البداية مع البعض الذي اقترض على الأمد البعيد سيولة بفائدة ضعيفة ليشتري عقارا أصبح هو الضمانة لمصرف اعتمد على الودائع الموجودة لديه (على الأمد القصير) في تأمين السيولة؟ في ظل انهيار أسعار العقارات وارتفاع معدلات الفائدة وامتناع أصحاب الفوائض المالية عن الإقراض في ظل الظروف الحالية تبين أن معظم قروض المصارف أصبح مشكوك بتحصيلها فانخفضت ملاءة المصارف نظراً لاضطرارها لتكوين مؤونات كبيرة لمواجهة هذه العجوزات في التسديد. وزاد في شح السيولة لجوء المودعين إلى سحب ودائعهم لتوظيفها في عملات أخرى أو في سلع قابلة لكنز القيمة مثل الذهب الذي ارتفعت أسعاره مؤخراً. فأدى كل ذلك إلى وضع بعض المصارف في موقف لا تحسد عليه حيث بلغت قيمة الديون ما يعادل قيمة الموجودات حيث تآكل معظم رأسمالها في مواجهة الديون المشكوك بتحصيلها نظراً لانهيار قيمة الضمانة المقابلة لها.

الكل يعلم أن المودعين لا يمكنهم أن ينتظروا الزمن القادم لارتفاع أسعار العقارات من جديد لأنهم قد فقدوا الثقة في قدرة المصارف على مواجهة الأزمة فكانت النتيجة أن رابع أكبر  مصارف الاستثمار الأمريكية قد أعلن إفلاسه. وبالتالي فقد بدأ أثر السلوك القطيعي بالتفشي مما زاد من حدة الأزمة بسبب أجواء الهلع. وهذا ما يدعونا إلى وصف ما وصلت إله الأزمة من تضخيم بكونه أزمة "ثقة" أكثر من أن كونها أزمة سيولة. فقد اجتمعت في هذه الظروف جشع ومقامرة مختلف المقرضين من مؤسسات مالية ومصارف وغيرها للوصول إلى أكبر كم من الأرباح وتوزيع الحصص على حساب ديمومة هذه المنظومة مستغلين جهل المقترضين ورغبتهم بتحقيق أحلامهم بسرعة. وتناسى الجميع كما في كل مرة أن هذه الأحلام ستنقلب إلى أوهام بالنسبة للوافدين الجدد إلى التوظيف بهذه الأدوات الخطيرة (وهؤلاء يستحقون العقاب الذي أصابهم)  ولكن المصيبة الأكبر تكمن في أولئك الذين اعتقدوا أن إيداع أموالهم في مصارف مصنفة من الدرجة الأولى أو أن تواجدها تحت إشراف السلطات في أكبر اقتصادات العالم يعني وجودها في أمان لا يؤثر على الأقل على أصل المبالغ المودعة. ولكن التجربة وللأسف الشديد أظهرت وللمرة الأولى أنه منذ الكساد الكبير يمكن أن يشك في قدرة المصارف على الاستمرار ولو تواجدت في أكبر الاقتصادات ومهما كان حجمها كبيراً.

"الإنتان" الاقتصادي العالمي؟

نلاحظ أن تسارع ظهور الأزمات في تزايد مستمر حيث أن الفاصل منذ الكساد الكبير 1929 بين كل أزمة عالمية وأخرى يستمر بالتضاؤل ليصل حالياً إلى عدة سنوات.

 وعلمتنا التجربة أيضاً أن الأزمة وإن حدثت أو مست جانبياً الدول المتقدمة، إلا أن المعني الحقيقي بكل منها ومن يدفع فعلياً ثمنها هو الدول المحيطة سواء النامية أو شبه النامية فيها. وخير دليل على ذلك مختلف الدروس التي أظهرت فيها الدول المتقدمة (المسماة الرأسمالية) أن لديها ما يكفي من القدرة على التكيف من أجل إعادة رسم منطلقاتها ونظرياتها و"براغماتيتها" من أجل الالتفاف على الأزمات وتصديرها إلى الخارج.  أمام الكساد الكبير في قمة المد الشيوعي، تمكنت الرأسمالية من إيجاد صيغة مختلفة لتدخل الدولة والاعتراف بأهمية دورها ضمن حدود مقبولة ضمناَ. وأكدت أزمة النفط الأولى أن الصدمة كانت عنيفة لفترة قصيرة إلا أن من سدد الفاتورة في نهايتها هي الدول الأخرى وليس الدول المتقدمة سواء باللجوء لإعادة خفض أسعار المواد الأولية دون تخفيض أسعار المواد التي تصنع منها أو تعتمد عليها، أو باللجوء لإنعاش اقتصاداتها عبر افتعال حروب أو ورشات قسرية أو شروط إضافية على حساب بعض الدول (إفريقية، أميركا اللاتينية، الخليج...).

وانعكس ذلك فقراً متزايداً في الدول الزراعية أو المصدرة للمواد الخام، وغنى متزايداً في الدول التي تتميز بحلقات متقدمة من الصناعة والتجارة والخدمات. وأثبتت التجربة أيضاً أن أزمة ديون الدول الفقيرة تتحول إلى مناسبة لفرض الشروط من أجل زيادة الهوة بين الفقراء والأغنياء. وتوالت بتسارع متزايد أزمات كبيرة خلال العقدين الماضيين من حرب الخليج الثانية إلى الأزمة الروسية إلى النمور الآسيوية إلى الفقاعة التكنولوجية إلى أزمة الأرجنتين والحرب على العراق ثم الحرب على لبنان والتبشير بشرق أوسط جديد...

ويبدو أنه مهما وصلت الأرباح المقتطعة من الدول النامية إلا أنها بحكم كونها نامية لم تكف لتشفي عطش البعض إلى المزيد والمزيد من الأرباح. فكان الربح الأكبر إن رغب البعض به موجوداً في البلدان المتقدمة ذاتها ولا يمكن أن يوجد أبهى وأهم حجماً من حجم السوق العقارية في الدول المتقدمة. ومن أجل امتصاص السيولة المشار إليها أعلاه وإعادة شفطها لصالح المغامرين المقامرين كان الأكثر ترشحاً هو الولايات المتحدة ذاتها لأسباب كثيرة:

1.    كونها الاقتصاد الأكبر ولا تقارن الأرباح التي يمكن جنيها منها في زمن قياسي بتلك القابلة للتحقيق من الدول النامية ذات القدرة الشرائية الضعيفة.

2.    سمح التحرر المالي الذي مارسته الحكومة الأمريكية على أسواقها المالية وكذلك التخفيض الحاد لأسعار الفائدة بخلق أجواء مثالية كي تستشري حمى أزمة الرهن العقاري قبل انفجارها.

3.    سمح التعقيد الهائل للأدوات المالية في الاقتصاد الأمريكي في إخفاء حقيقة العديد من الديون أو المؤسسات في سلسلة متشابكة من الديون والتوظيفات بحيث لا يعرف إذا كان تصنيف المقترض مقبولاً أم لا فمعظم من أفلس حالياً كان ضمن التصنيف الممتاز بتقدير بيوتات الخبرة والتصنيف العالمي.

4.    كان الاقتصاد الأمريكي الأكثر قدرة على امتصاص وابتلاع السيولة والفوائض النقدية الهائلة التي نجمت عن الدول النفطية أو الاقتصادات الناشئة أو غيرها، وكانت الثقة بهذا الاقتصاد مبالغ بها سواءً بسبب كونه يشكل ربع الناتج الإجمالي العالمي أو لكونه صاحب العملة السحرية التي أقرها نظام بريتون وودز وأعطاه عصا سحرية لم يزود بها أي اقتصاد آخر عبر العالم!

في كل مرة كنا نسمع عن ضوابط جديدة تمنع التهور في مصير الأسواق المالية ومدخرات البشر. واعتقد البعض أن أصحاب القرار قد تعلموا من دروس الماضي. وتوقعوا أن الأدوات والإجراءات والاحتياطات التي نصحوا بها في إدارة المخاطر (بازل وغيرها) تكفي لمعالجة أي أزمة جديدة و تمنع انتشار الآثار من أي دولة لا تفهم الدروس "وتصاب بالأزمة" إلى الدول المتقدمة البريئة التي فهمت الدروس وطبقتها بشكل جيد.

ولكن للأسف الشديد لم يفكر أي من هؤلاء بالحالة المعاكسة أي حالة تفشي أزمة حادة لدى الدول المتقدمة وخاصة من زودها بريتون وودز بإمكانية العدوى المباشرة (نظام الدولار الذي يتم به تقييم المواد الأولية بالإكراه والوحيد الذي يجبر الجميع على قبوله بناءً على ظروف سادت بعد الحرب العالمية الثانية ولم تعد موجودة حالياً). هذه الظروف سمحت بخلق بيئة اقتصادية نتنة. والسبب الذي يدعونا لإضفاء صفة الإنتان على البيئة الحالية هو أن جميع الحلول والجرعات والوصفات التقليدية كانت تؤثر بنجاح على الأورام والبؤر التي تظهر في الدول النامية. ولكن البؤرة التي ظهرت الآن في الاقتصاد الذي كان يوصف بكونه الأضخم والأقوى والأكثر صلابة في وجه التجاوزات المالية عموماً تبين أنها لا يمكن أن تعالج بالأدوية التقليدية التي تستعمل في حالة الدول النامية، والسبب يعود إلى كون اللاعبين الأساسيين في هذا الاقتصاد الأمريكي هم أنفسهم الذين وضعوا الضوابط التي فرضت على الدول النامية ويعلمون تماماً "من أين تؤكل الكتف". وتبين للأسف أن هذا النوع من الإنتانات لا يمكن معالجته إلا بالجراحة واستئصال جزء أو بعض من الأعضاء (أسوة بما يحدث في أي بلد نام)، وهو ما شهدناه بعمليات الإفلاس الجماعي لكبريات المؤسسات المصرفية والمالية في الولايات المتحدة والدول المتقدمة. والمستقبل سيكشف لنا كيف ستتأثر باقي المؤسسات في أوروبا وغيرها بهذه الإفلاسات الجماعية. والتخوف الأكبر هو التأثير الذي سيرافق ذلك على الدول النامية المطالبة دوماً بمزيد من الانفتاح وتحرير التجارة دون تحصينها ضد الأوبئة الاقتصادية القادمة من الدول المتقدمة (تذكير: الهنود الحمر في مواجهة الأوبئة التي حملها إليهم البيض عند فتوحات أمريكا).

في جميع الأحوال أظهرت مختلف الأزمات المتعاقبة (من تعويم العملات أو الصدمات البترولية أو ديون المكسيك وغيرها أو الإثنين الأسود في الثمانينيات أو الأزمة الروسية أو النمور الآسيوية أو الفقاعة التكنولوجية أو غيرها من الأزمات) صعوبة تحصين الأسواق واستحالة إيجاد ضوابط كاملة.

الأزمة الحالية: نتيجة طبيعية للسلوك الأمريكي؟

استحوذت الولايات المتحدة الأمريكية على سلاح جديد بعد الحرب العالمية الثانية من خلال معاهدة بريتون وودز التي أقرت بالدولار عملة عالمية لها ميزة "القبول العام" واستفادت بشكل أكبر من الصدمة الأولى للعالم في عام 1971 عندما تم تبني مبدأ تعويم العملات (أصبحت بذلك الضوابط المفروضة على الولايات أقل بكثير).

لمزيد من التفاصيل حول دور الدولار كسلاح فتاك ومعنى أزمة الرهن العقاري انظر مقالنا (ملتسة الاقتصاد: محاولة لفهم ما يحدث ) المنشور على الموقع www.cbs-bank.com أو منذ نيسان هذا العام في جريدة تشرين وعلى موقع www.syriasteps.com

تساءلنا منذ أشهر طويلة عن كون ما يحدث حالياً يعود إلى سياسة المصرف الفدرالي الأمريكي في فترة 2001-2004 عندما انهار معدل فائدة الليبور إلى حوالي 1% !! فبعد انهيار فقاعة تكنولوجيا المعلومات وانهيار أسعارها كان لا بد من إيجاد ديناميكية جديدة لتحريك الأسواق خاصة وأن أحداث أيلول 2001 تلت ذلك مباشرة فلجأ الأمريكيون إلى تخفيض معدلات الفائدة بشكل حاد وتحرير أسواق المال من القيود الرقابية بشكل كبير (رغم وجود أمثلة فاضحة للخلل المستشري في عالم المال والاقتصاد مثل شركة إنرون وغيرها) وترافق كل ذلك مع تنامي ظاهرة فقاعة العقارات تدريجياً. ورغم انتعاش الاقتصاد الأمريكي قليلاً (وعودة معدلات الليبور إلى جوار 5%) إلا أن ملامح الركود الجديد منذ عامين دفعت المصرف الفدرالي من جديد لإعادة تخفيض هذه المعدلات.

 وبفضل هذه السياسات، منحت السيولة بشكل غير منضبط لامتلاك العقارات والمضاربة بها من قبل عملاء استفادوا من رخص الفوائد في السنوات الأولى ومن زيادة كبيرة بأسعارالعقارات (ولم يراعوا أثر المقص من حيث أن أسعار العقارات لا بد وأن تنخفض وكون تكلفة الفوائد البخسة لا يمكن أن تدوم). فكانت الحصيلة في البداية أرباحا مغرية دفعت إلى تقليد وتضخيم هذا السلوك من قبل المقترضين من جهة والكثير من المصارف والمؤسسات المالية من جهة أخرى حيث وجد الجميع في هذا النوع من القروض أرباحا غير مسبوقة. بعد أعوام قليلة انكشفت اللعبة لأسباب عديدة منها:

v    أدى ارتفاع معدلات الفائدة خلال السنوات الأخيرة إلى زيادة تكلفة المقترضين خاصة أولئك الذين اعتادوا إما على المضاربة على استمرار ارتفاع أسعار العقارات أو على استمرار انخفاض أو ثبات معدلات الفائدة.

v    تباطؤ النشاط الاقتصادي الأمريكي وهبوط أسعار العقارات مما جعل الأرباح المتوقعة أقل من الفوائد المتراكمة،

v    انكشاف حقيقة بعض القروض التي تميزت بتركيبة تجعل الفوائد ضعيفة في السنوات الأولى من القرض ومرتفعة في السنوات التالية. وأدت هذه التركيبة إلى انكشاف العديد من المقترضين المغامرين على حقيقتهم كما كشفت أن المصارف المقرضة لم تكن تهتم بما فيه الكفاية بالتحقق من الدخل لكل من هؤلاء من المقترضين.

ولم يقتصر تأثير هذه الأزمة على المقترضين الأمريكيين أو مصارفهم التي اقترضوا منها وإنما شمل مختلف المؤسسات والصناديق المصرفية والمالية والتأمينية داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها. ويعود سبب هذا الوباء إلى تفشي ظاهرة الأدوات المالية المتطورة التي تبني مركبات عديدة يصعب معها معرفة المساهمة الحقيقية لأي من الأسهم أو السندات أو المشتقات التركيبية منها. ففي مختلف دول العالم أوجد المهندسون الماليون طرقاً للتركيب جعلت طرق تصنيف الديون والمؤسسات متعلقة بمعايير تنتمي إلى ظروف ومعايير ولى عليها الزمان. وتقع الطامة الكبرى في عدم وجود قواعد عامة أو جهة منظمة وحيدة سواء على المستوى الوطني أو الدولي لهذه الباقة المتنافرة من الأسواق التي تؤثر وتتأثر بأسواق المال والعقارات بما فيها المصارف وشركات التأمين وشركات الوساطة المالية وصناديق التقاعد وشركات الأجارة وشركات الإدارة سواءً للأوراق المالية الصادرة عن شركات خاصة أو مرتبطة بسندات أو أذونات الخزينة وغيرها. وزاد الطين بلة تحرير الأسواق المتزايد الذي مارسته الإدارة الأمريكية آملة من خلاله إنعاش الاقتصاد الأمريكي وعملته.

وأخيراً لا بد لنا من التذكير أن أحداث 11 أيلول كانت كافية لتجميع مختلف دول العالم لمواجهة بدعة الإرهاب الذي نظرت له السياسة الأمريكية. والآن لا بد لنا من السؤال هل ستكفي الأزمة الحالية التي تتجاوز بآثارها المجال الإقليمي لتصل إلى العالمي: هل ستكفي لتجميع حكومات العالم كما حدث بعد أحداث 11 أيلول لاتخاذ إجراءات جذرية بحق الإرهاب المالي الجديد الذي تمارسه الدول المتقدمة بحق بعضها وبحق الدول النامية بشكل أساسي. إنه إرهاب جديد أكثر تطرفاً بكثير من الإرهاب الذي ضرب مركز التجارة العالمي فهو إرهاب  يتناول مقدرات دول بكاملها ويفلس دولاً بالجملة وخاصة الدول النامية منها ويؤثر بشكل كبير على أداء مختلف المنظمات العالمية التي تعنى بالاستقرار المالي والغذائي العالمي.

أثر السياسات الأمريكية على الدول النامية

مع تزايد النمو السكاني والميل إلى الاستهلاك ازدادت الحاجة لتعظيم احتياطات القطع الأجنبي وتحسين طرق إدارته في وجه تقلبات القطع الأجنبي أو أسعار المواد الأولية. ولجأت معظم الدول إلى التركيز على الدولار في تكوين احتياطاتها. وهنا نعيد التساؤل حول مصير الاحتياطات المتواضعة للبلدان النامية في ظل انخفاض أسعار الدولار وزيادة أسعار المواد الأولية والأغذية.

بالمقارنة مع ثلاثينيات القرن الماضي ومع اتهام الدول المتقدمة للصين بالاستفادة من سياسة اليوان المنخفض لغزو الأسواق وتعزيز تنافسيتها التصديرية، نكرر سؤالنا الذي طرحناه منذ أشهر لم الصمت الأوروبي "المريب" تجاه السياسة الأمريكية؟ أيعقل أن يكون لحصرية تسعير مختلف المواد الأولية والبترول بعملة الدولار (منذ بريتون وودز) علاقة بالهيمنة الأمريكية على مصير العالم الرأسمالي؟ لم لم يتم التفكير في سياسة مواكبة للدول الفقيرة في وجه ارتفاع أسعار الغذاء؟ ما مصير سياسة تبوير الأراضي في الدول المتقدمة؟ ألا يحق لنا الاعتقاد بأن وضع هذه الـ 700 مليار دولار في اقتصادات الدول الفقيرة (على الأقل في المجال الزراعي) سيغير وجه العالم وسيغني عن سياسة المساعدات؟ وهل من مخطط لإنقاذ دول استنذفت احتياطاتها بانخفاض الدولار وفواتير مواد أولية مرتفعة؟ وهل تخفيض قيمة الدولار أسلوب من أجل تخفيض قيمة خدمة الدين الأمريكي في ظل عجز الميزان الجاري الأمريكي إلى ما يزيد عن 700 مليار دولار ووصول الديون الأمريكية الخارجية إلى ما يزيد على 12 تريليون دولار أي ما يزيد على 90% من الناتج المحلي الإجمالي.

وبما أن ارتفاع سعر البترول وزيادة التنافسية سمحا بتكوين احتياطات دولارية هائلة لصالح الدول النفطية والدول الآسيوية وخاصة الصين، هل يمكن لهبوط الدولار أكثر من 30% من قيمته خلال عام وللأزمة المالية الحالية أن تلعب دوراً في تبخر جزء من هذه الاحتياطات؟

ملامح الوضع السوري

لم تبدأ مشاكل الاقتصاد السوري مع أزمة الرهن العقاري، فنحن نعاني منذ سنوات من تناقص صادرات النفط وتفاقم العجوزات في الموازنة العامة للدولة ومن تزايد احتياجات الدولة لدعم الوقود من جهة والغذاء من الجهة الأخرى. وهذا الموضوع يعود لأكثر من 4 سنوات مضت. وزادت الضغوط بوجود المقاطعة الأمريكية وما تمارسه من ضغوط على الشركاء التجاريين لسورية.

وتزداد الضغوط على سورية في ظل تزايد سكاني مخيف يصدر إلى سوق العمالة أكثر من 400 ألف طالب فرصة عمل كل سنة. وتزداد الطلبات على فرص العمل في ظل تقانة المعلومات والمكننة التي تجعل مشكلة البطالة المقنعة أكثر وضوحاً وتؤكد على احتمال زيادة حجم طالبي فرص العمل. يضاف إلى ذلك العديد من العوامل الضاغطة على سوق العمل (انظر مقالنا بهذا الخصوص في ندوة سيما لعام 1999).

وبما أن التبادل التجاري وإرساليات المغتربين السوريين من العناصر الهامة في رفد سورية بالقطع الأجنبي، نجد أن الأزمة الحالية سيكون لها أثر كبير على الاقتصاد السوري. فمن جهة سيؤدي الركود الاقتصادي العالمي إلى تأثر فرص العمل ومستويات الدخول لجميع المقيمين في تلك الدول ومنها المغتربون السوريون. وهذا سيؤدي إلى احتمال تزايد الطلب على فرص العمل في سورية من قبل المغتربين الذين تأثروا بالركود في بلدان المغترب فضلاً عن احتمال انخفاض حجم القطع الأجنبي الوارد.

وبما أن الركود الاقتصادي سيخفض الحاجة إلى مختلف المواد الخام أو المصنعة أو نصف المصنعة (ومنها البترول والفوسفات والأقطان والغزول والصناعات التحويلية الخفيفة أو المتوسطة وغيرها من المواد التي يصنعها القطاع العام والخاص في سورية)، فقد تتأثر الصناعات السورية وقدرتها على الالتزام بتسديد ديونها الداخلية والخارجية....

وهل سيؤثر الركود المتوقع وحجم الأزمة الحالية على حجم المساعدات والقروض المتوقع منحها إلى سورية في المستقبل؟

توقعات - أسئلة أجوبة؟ و توصيات

بنتيجة الركود وشح السيولة الذي سيجتاح الدول المتقدمة خصوصاً وباقي دول العالم بالعدوى نجد أن الأزمة وللمرة الأولى أزمة مالية عالمية بهذا الحجم وستنتقل تدريجياً لتصبح أزمة اقتصاد وإنتاج ركود ومشاكل في التصريف على مستوى العالم. لذلك سنشهد سلوكاً متواصلاً من مختلف دول العالم لسياسات تخفيض متقابلة لعملاتها بشكل غير مباشر للأسباب الواردة أعلاه، وسنشهد توجهاً متزايداً نحو سياسات ترقب من جهة وسياسات مضاربات مكثفة على العملات بالإضافة إلى توظيفات مكثفة في المواد السلعية مثل الذهب. وقد تشهد الفترات القادمة وصول سعر اليورو إلى واحد دولار ذلك لأسباب خاصة بأوروبا لكونها ترغب بتنشيط صادراتها. أما عن الارتفاع المتوقع للدولار مقابل اليورو فسيكون قسرياً بسبب توقعات المتعاملين بأن تبخر تريليونات من الدولارات ستسمح تلقائياً بزيادة الطلب على الدولار نظراً لنقص السيولة وكذلك لأن الورشات المتوقعة داخل أمريكا في المستقبل أو المفتعلة في الخارج من قبل أمريكا إضافة لكونه الوريث الشرعي لبريتون وودز والمعيار في تقييم السلع ستسمح بتوقعات لزيادة سعر الدولار أكثر من غيره.

ومثلما شهدنا تواطؤاً وتكاسلاً في لجم الصعود السابق لأسعار النفط واستخدام ذلك في تبرير رفع أسعار المواد الأولية والصناعية، سنشهد ضغوطاً متزايدة على جميع الأطراف لتحريك عجلة الاقتصاد العالمي وهذا يستلزم سياسة معاكسة لما شهده الوضع في السنتين الأخيرتين. فبعد استنفاذ احتياطات الدول النامية من القطع من خلال سياسة الدولار المنخفض وأسعار المواد الأولية المرتفعة، لم يعد هناك من مبرر للاستمرار بذات السياسة وسيبدأ التواطؤ من جديد ولكن باتجاه معاكس يؤدي إلى انخفاض متزايد في أسعار النفط لما في ذلك من أثر كبير على المساهمة في تحريك عجلة الاقتصاد العالمي على حساب الدول النفطية وغيرها. ويمكن أن نشهد عودة أسعار النفط إلى مستويات 50 دولار للبرميل! وهنا يأتي التساؤل لماذا قبلنا بسهولة تبرير رفع أسعار المواد الغذائية والأولية والصناعية بسبب ارتفاع أسعار النفط؟ لماذا لا نطرح الآن التساؤلات المتعلقة بعدم تخفيض الأسعار مع انخفاض أسعار النفط؟ وإذا كانت الأزمة حالياً مالية وليست اقتصادية (بمعنى أن ما نشهده حالياً هو انهيار في عالم المال والمصارف وليس في عالم الاقتصاد الحقيقي الإنتاجي)، وبالتالي إذا كان حجم الطلب على المواد النفطية هو ذاته، وإذا كان الإنتاج النفطي لم يتغير، فلماذا  هذا الانخفاض الحاد في أسعار النفط؟ لا بد من وجود أسباب خفية تبرر إما زيادات غير مرئية في الإنتاج (وهذا مستبعد) أو قبول أسعار أقل لذات المواد في ظل ذات الحجم من العرض والطلب (وهذا أمر مريب غير مفهوم ولكنه يحدث)؟ واعتقادنا نحن أن ما تم تكوينه من ثروات وفوائض غير مبررة سواءً بأزمة الرهن العقاري أو بتخفيض قيمة الدولار قد يبرر عودة سعر اليورو وغيره من العملات وعودة سعر النفط إلى مستويات ما قبل الفلتان وما قبل تبلور مسببات الأزمة على أمل أن يسمح ذلك لمن يجربون مختلف فنون السحر بإعادة تشكيل التركيبة المناسبة لتطبيقها على عالم مختبرات الاقتصاد العالمي. ويبقى السؤال الدائم ما هو الحل؟

قد يخال البعض أن الحل المثالي والعبرة مما يحدث يتواجد في تكبيل الأسواق والمؤسسات المالية وإعطاء السلطة المطلقة للمصرف المركزي أو لأية جهة مركزية رقابية أخرى، هل هذا صحيح؟ بالتأكيد لا، لأنه لا يمكن للسوق أن ينتعش أو للنمو والتنمية أن تتحقق وبمعدلات مقبولة إلا من خلال حد أدنى من الثقة بالمتعاملين وحد أدنى من الضوابط التي تسمح بهوامش مقبولة من الحرية التي تسمح للسوق بالانتعاش. وفي جميع الأحوال سيبقى النقاش مفتوحاً حول أهمية وضع الضوابط والقيود وما سيخلقه ذلك من إبطاء لعجلة النمو وأهمية تحرير الأسواق ورفع القيود وما قد يجلبه ذلك من فلتان نشهد آثاره حالياً. وفي جميع الأحوال تبقى مختلف النقاط الواردة في هذا المقال مجرد تحريض لمزيد من الحوارات من أجل بلورة نظام وإيقاع اقتصادي أكثر عقلانية وأكثر إنسانية. خاصة وأن الضوابط التي وضعت على الدول النامية لم تكن كافية لضبط فلتان الدول المتقدمة.

ستشهد الأيام القادمة نقاشاً حيوياً حول مواضيع حيوية على الصعيد العالمي والمحلي:

على الصعيد العالمي:

هل استطاعت السياسة الأمريكية على الأقل توفير الأمان وفرص العمل والاستقرار اللازم للمواطنين الأمريكيين على الأقل؟ يبدو أن الجواب يكمن في أن الفلتان الاقتصادي منذ سنوات قد تم تسخيره لمصلحة الشركات الكبرى من أمثال هاليبرتون وغيرها من المؤسسات النفطية والعسكرية على حساب المواطن الأمريكي وغيره. فقد أدت تلك السياسة إلى تحقيق تلك الشركات أرباحاً غير مسبوقة تؤمن لها على الأمد البعيد سيولة غير معهودة تضمن لها ما يكفي من الموارد المتنوعة في العديد من المصارف والدول والاستثمارات الحقيقية للاستغناء عن المصارف نفسها (وهو ما يفسر حيادية الشركات الكبرى تجاه مخاطر إفلاس المصارف الحالية). وبالمقابل لم يضمن المواطن أو الشركة الأمريكية الصغيرة ما يكفي من الأمان لتأكيد الاستقرار على الأمد البعيد أو على الأقل المتوسط أو القصير. وهنا السؤال هل الأولوية للشركات الأمريكية الكبرى أم للاقتصاد الأمريكي الكبير بما فيه من شركات صغيرة ومستهلكين؟ وفي ظل الأزمة الحالية هل ترغب الولايات المتحدة (وغيرها من الدول المتقدمة المأزومة) بالاكتفاء بمخططات الإنقاذ أم أنها ترغب كالمعتاد بتصدير الأزمة إلى الخارج؟ وهل سيكفي حجم الأزمة الهائلة الحالية للتفكير جدياً بأهمية وضع نظام نقدي واقتصادي عالمي جديد؟

هل سيهتم النظام (المأمول) بالعدل المنشود في توزيع الثروة بين عناصر الإنتاج (أرض، عمل، إدارة، دولة) وعدالة في توزيعها بين الدول أم أنه سيتبلور في إدارة أشرس للأزمات على حساب الدول المحيطية؟

إذا كانت حقيقة الأزمة الحالية مالية وليست ركود أو كساد اقتصادي هل سيكون العلاج من طبيعة مالية عبر ضخ المزيد من الدم (رساميل ومدخرات من كل دول العالم) في الجسد الاقتصادي؟ وما يعنيه ذلك من ضياع هائل لمقدرات الدول ذات الاحتياطات النقدية الكبيرة (الناشئة والنفطية...) وغيرها من الدول الفقيرة، أم أننا سنشهد تطوراً لشكل الأزمة الحالية لتصبح اقتصادية وليست مالية بحيث يكون الحل في إيجاد أسواق جديدة؟ وما قد يرافق ذلك من عنف في فتح أسواق المواد الأولية للحصول عليها "قسراً" بأسعار بخسة أو فتح أسواق المواد المصنعة لتصريف المواد فيها "قسراً" بأسعار مرتفعة؟

في حال عدم بلورة نظام مالي عالمي جديد، واستحالة معالجة الأزمة أمريكياً، هل ستلجأ الولايات إلى استخدام ضخ الدولار الذي منحها إياه اتفاق بريتون وودز (اعتبرناه في المقال السابق أخطر الأسلحة على الإطلاق) أم أنها ستستخدم ترسانتها العسكرية في افتعال أزمات مقصودة عسى من خلالها أن تؤمن ورشات الانتعاش لها ولاقتصادات الدول المتناغمة معها؟

على الصعيد المحلي:

هل قمنا بما فيه الكفاية من التحضير لمواجهة مثل هذا النوع من الظروف الاستثنائية من حيث :

a)    مواجهة التهديدات المتوقعة:

1.     على كبار رجال الأعمال السوريين وودائعهم في الخارج

2.     على ودائع المصارف السورية المودعة أو "المستثمرة" في مصارف وصناديق خارجية سميت "سيادية"

3.     من أثر الانكماش الاقتصادي المتوقع على حجم الصادرات السورية أو قدرة المستثمرين الخارجيين على الالتزام بعقودهم مع السوريين

4.     من رغبة بعض المستثمرين (وخاصة الخليجيين) بالانسحاب من سورية لتأمين السيولة التي قد تلزمهم في بلدان أخرى مستفيدين من ارتفاع العقارات السورية وما قد يجلبه ذلك من تخفيض على الأسعار.

5.     من احتمال انخفاض القطع الأجنبي الوارد من المستثمرين ومن المغتربين وأثر ذلك على سعر الليرة السورية.

6.     من الانكماش الاقتصادي على المستوى العالمي والذي يتوقع أن يدوم لأشهر طويلة إن لم نقل سنوات، لذا ما الذي يمكننا تحضيره لمواجهة ذلك؟ على ضوء المعطيات الجديدة، ما هي ملامح التعديلات التي يمكن إجراؤها مسبقاً سواءً على الخطط الخمسية المعنية أو موازنة الدولة....؟

7.     من التقلبات المفاجئة في مختلف الأسعار، هل يمكننا إعادة النظر في بعض العقود أو في أسعار المشاريع الحيوية (مصافي النفط، مصانع...) والاتفاقات التجارية الضخمة التي تم توقيعها مع أطراف خارجية على ضوء انخفاض الأسعار وتقلبات العملات.....

b)    الاستفادة من الفرص النادرة الناجمة عن هذه الأزمة من حيث:

1.     استخدام الظروف الحالية من أجل شرح أكثر وضوحاً لمختلف دول العالم التي لم تكن تفهم وجهة نظر سورية في مواجهة العقوبات والحصار الاقتصادي. والتأكيد على أن ما نشهده حالياً هو الحليف الأكبر لنا عند تنشيط الإعلام والندوات والملحقين التجاريين في مختلف سفاراتنا للتأكيد على أن الحوار هو الأساس والخيار الأفضل لحل جميع المشاكل.

2.     القدرة على شراء مشاريع (شركات ومصارف ومؤسسات مالية صغيرة أو متوسطة أصبح سعرها مقبولا في ظل الأزمة الحالية) بأسعار رخيصة بشكل استثنائي في مختلف أنحاء العالم بما يضمن لسورية تواجد وانتشار عالمي

3.     انتهاز الفرصة للتعاقد بأفضل الشروط مع شركات مستعدة لتقديم تنازلات هامة في ظل الظروف السوداوية الحالية.

4.     التأكيد في المنابر الدولية على أهمية إيجاد رؤية نظام عالمي مالي واقتصادي جديد أكثر عدلاً  وعلى أهمية استعمال النقود لأداء الأهداف التي وجدت من أجلها كوسيلة عد ودفع وادخار بدلاً من تحويلها لسلاح فتاك في خدمة دولة على حساب الإنسانية عموماً. وهنا نجد أهمية الدور الذي يمكن لوفودنا ومفكرينا وسفاراتنا أن تلعبه على الصعيد الدولي.

c)     التركيز على التنمية المستدامة من حيث:

1.     التركيز على الأزمة السورية الموجودة قبل الأزمة العالمية أساساً

2.     تأمين ما يكفي من فرص العمل المستدامة لأكثر من 400 ألف قادم إلى سوق العمل سنوياً

3.     استغلال الموارد والاحتياطات المتاحة حالياً لتأمين بنية إنتاجية وخدمية جاذبة للمستثمرين السوريين والعرب والأجانب وذات طاقات تصديرية بشكل أساسي

4.     وضع سيناريوهات مختلفة تسمح لسورية بمواجهة كل ظرف طارئ مسبقاً سواءً من حيث التحضير لانهيار مفاجئ في قيمة الاحتياطي النقدي الموجود لدينا، الزيادات المحتملة في أسعار إحدى المواد الأساسية المطلوبة لدينا (المشتقات النفطية، القمح، الأسمدة، الاسمنت...)، التحضير للتعامل مع مختلف سيناريوهات الخروج من الأزمة التي قد تستخدمها الدول الشريكة تجارياً مع سورية.

نأمل من خلال هذا المقال أن نكون قد تمكنا من طرح بعض التساؤلات والمشاكل المتوقعة بما يكفي لتحريض النقاشات على مختلف المستويات. وليس المقصد هو إثبات نظرية المؤامرة لأنه لا يعقل أن يكون كل ما يحدث مخطط له خاصة عندما تكون الضحية هي اقتصادات الدول المتقدمة ذاتها. ولكننا نقول بأنه قد يكون فيما يحدث نتيجة طبيعية لتراكم سلوك غير طبيعي لكهنة المال والاقتصاد بحيث أنه عندما ينقلب ولأول مرة بشكل معولم ذلك السحر على الساحر فإن الأمر يستدعي إقامة الندوات وتبادل وجهات النظر من أجل مستقبل أفضل لخدمة وطننا ولخدمة الإنسانية عموماً.

 


مكتب خدمات .. في المحافظة
عند التجاري الخبر اليقين ..
الوكالة المعتمدة للمغترب للحصول على القرض العادل
لأساتذة الجامعة حصة أيضاً ..
تسـهيلات إضافيـة للأطباء والمهندسـين والصيادلة ..
الدكتور دريد درغام يكتب .. "بريتون وودز": خلل بنيوي يستدعي وقاية وليس علاجاً
خطوة غير مسبوقة في مكافحة التزوير..
خواطر وشروحات في مجال القرض العادل:
نستمر .. بالتوسع لنقترب منكم أكثر
في المحن لكل المهن .. لكل ًّ نصيبه من نشيط
بلا ورق حاليـاً ..
نعاود تقديم خدمات قروض السيارات في ..
ماذا يعني تدقيق المستندات ؟؟؟
التجاري يبدأ عمله في فرعه الجديد..
نحـــــن ...
تخفيض عمولة السحب من pos ...
عندما ينقلب السحر على الساحر / الجزء3/
تخفيضات على عمولات حسابات المصارف الأخرى ..